الشيخ عبد الغني النابلسي

69

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الحقائق الإلهية والمعارف الغيبية ، ولهذا كانت علوم الأنبياء عليهم السلام بالإخبار من طريق الوحي الخاص النبوي ، إنما هو علوم الرسالة من الأحكام المتعلقة بأحوال أممهم وقصص الماضين ، وأحوال المعاد وما في غيب الملكوت وخبايا الملك . وأما ما يرجع إلى معرفة الحق تعالى فإن الأنبياء عليهم السلام نالوا ذلك من حيث ولايتهم ، واستعمال أذواقهم المؤيدة بالعصمة والحفظ ، لا من طريق الخبر ولا النظر العقلي ، وقد ورثتهم الأولياء في ذلك على تفاوت مقاماتهم فلم يبق العلم الكامل فيما لا ينال إلا بالذوق من علوم الأسماء الإلهية والنعوت الربانية والتجليات القدسية والحضرات الأنسية وغير ذلك إلا في حصول طريق التجلي ، أي الانكشاف الإلهي للعبد وإفادته العلم به منه وفي أنواع ما يكشفه الحق تعالى لعباده الطاهرين من التعلق بالأكوان في ظواهرهم وبواطنهم من أعين البصائر القلبية والأبصار الحسية من الأغطية الوهمية التي هي مجرد قصور في الإدراك ، فيقوى الإدراك فيرى ما لم يكن يراه ، ويعرف ما لم يكن عارفا به من قبل . فتدرك ، أي البصائر والأبصار عند ذلك جميع الأمور على ما هي عليه قديمها كالتعينات الاسمائية والنعوت الربانية وحادثها كمظاهر تلك التعينات والنعوت من الآثار الكونية أو عدمها كالأعيان الثابتة حال عدمها الأصلي بحسب ما قدر لعينه مما يدركه منها ووجودها كمعرفة تجليات الوجود المطلق وشهوده في مظاهر قيوده ومحالها ، وهي مراتب التنزيه لذلك الوجود المطلق بحسب ما يقتضيه الوهم والخيال وواجبها من تحقيق معرفة الوجود والثبوت وجائزها من تقلب الأعيان الكونيتين : الوجود والعدم والحدوث والقدم على ما هي ، أي تلك الأمور عليه في حقائقها الموجودة والمعدومة وأعيانها الثابتة والمنفية . * * * فلما كان مطلب العزير على الطّريقة الخاصّة لذلك وقع العتب عليه كما ورد في الخبر ولو طلب الكشف الّذي ذكرناه ربّما كان لا يقع عتب في ذلك . والدّليل على سذاجة قلبه قوله في بعض الوجوه أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [ البقرة : 259 ] . وأمّا عندنا فصورته عليه السّلام في قوله هذا كصورة إبراهيم عليه السّلام في قوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] ويقتضي ذلك الجواب بالفعل الّذي أظهره الحقّ فيه في قوله تعالى : فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ